القائمة الرئيسية

الصفحات

[slide] اخر المشاركات

  بيداغوجيا الخطأ :

يمكن الحديث عن موقفين عامين من الخطأ: موقف سلبي يرى أن الخطأ جريمة لا تغتفر، بل إنها أشبه بسقطة أخلاقية، ورذيلة يعاقب عليها صاحبها. أما الموقف الثاني، فينظر إلى الخطأ نظرة إيجابية على أساس أن الخطأ ضرورة إنسانية طبيعية، ومن هذا الخطأ يتعلم الإنسان، ويبني مختلف معارفه الذاتية والموضوعية.

بيداغوجيا الخطأ


الموقـف السلبي من الخطأ:

كانت التربية التقليدية، وما تزال إلى يومنا هذا، تنظر إلى الخطأ نظرة سلبية، على أساس أن الخطأ غلط مرذول، وفعل سيء، وسلوك مشين، إذ تحاسب المتعلم حسابا عسيرا على زلاته وعثراته وأخطائه الذهنية واللغوية، وتترصد سقطاته اللسانية، وتتبع تراكيبه وتعابيره بالنقد والتقويم والتجريح والعتاب والتقريع. ومن ثم، كان النظر إلى الأخطاء على أنها " اختلالات وظيفية ديداكتيكية، حيث يمكن تجنبها إذا ما أصغى التلميذ للنصائح والتنبيهات." 

وأكثر من هذا، فالخطأ ناتج عن السهو، واللعب، والشرود، وعدم الانتباه لدى المتعلم، وضعف ذاكرته الذهنية، وقلة حفظه، وانخفاض درجة ذكائه؛ مما يجعله هذا الواقع تلميذا غير كفء وغير مؤهل. ومن ثم، لا يستحق النجاح أو الشهادة أو الإجازة. ومن هنا، يكون الخطأ سببا في حرمان المتعلم أو الطالب من شهادته أو نقطة النجاح والتميز.

ومن هنا، كان الخطأ، في الثقافة التربوية التقليدية، مذمة وعيبا ومدعاة للسخرية والإهانة والضحك، وسببا في القدح في صاحبه، ولاسيما إذا كان يخطئ في مسائل لغوية عادية وبسيطة ومعروفة عند كل الناس، ولاسيما الأمور النحوية والصرفية والإملائية والتركيبية.

الموقـف الإيجـابي من الخطأ:

تنظر التربية الحديثة والمعاصرة إلى الخطأ نظرة إيجابية، إذ تعده وسيلة من وسائل التعلم والتكوين والاكتساب. ومن هنا، تعطي هذه التربية أهمية كبرى لأخطاء المتعلمين؛ لأنها لا تدل على نقص المعرفة لديهم أو تردي مستواهم الفكري والذهني، أو تعبر عن قلة ذكائهم العقلي والعملي، بل هي طريقة إجرائية مهمة لبناء المعرفة الحقيقية، وتعميق التكوين على أسس علمية متينة ودائمة ومستمرة. أضف إلى ذلك، يعتبر الخطأ - حسب هذا التصور- ضرورة طبيعية، لا يمكن تفاديها في المنظومة التربوية، أو عبر مراحل التعلم، أو عبر سيرورة تدبير العملية التعليمية- التعلمية.

وفي هذا السياق، يرى أستولفي (Astolfi):" سمحت الأبحاث، منذ سنوات، في التربية، وبخاصة في الديداكتيك بالمرور من تصور سلبي للخطأ إلى تصور جديد يجعله علامة على طريقة وظيفة سيرورة التعلم ووسيلة دقيقة للوقوف على الصعوبات التي يعاني منها التلاميذ. ودون البحث غير المجدي لربط الأخطاء بعدم التركيز والانتباه أو انعدام المصلحة لدى بعض التلاميذ. فبتصور آخر مختلف للخطأ، سيكون ممكنا إعادة تجديد فهم ما يدور في القسم لجعله أكثر فاعلية في التعليم. إذاً، تدافع التربية الحديثة والمعاصرة عن مفهوم الخطأ، باعتبارها أداة إجرائية في التعلم الذاتي، وبناء المعارف الديداكتيكية والتربوية.

مبادئ بيداغوجيـا الأخطاء :

يستند الخطأ البيداغوجي والديداكتيكي إلى مجموعة من الأسس والمبادئ، ويمكن إجمالها فيما يلي:

  • الخطأ أساس التعلم والتكوين والـتأهيل. أي: لا يمكن للمتعلم أن يكتسب الخبرات والتجارب والمعارف والموارد إلا بارتكاب الخطأ البيداغوجي والديداكتيكي، وتكرار المحاولات مرات عدة من أجل التعلم.
  • الخطأ تجديد للمعرفة. بمعنى أن الخطأ ليس جهلا أو عدم المعرفة، بل هو معرفة تناساها المتعلم أو غفل عنها لسبب من الأسباب، وقد قال أفلاطون: المعرفة تذكر، والجهل نسيان. لذا، يدرك الخطأ بالمعرفة والتذكر والمحاولة.
  • الخطأ ظاهرة طبيعية وإنسانية. ويعني هذا أن من صفات الإنسان العادية والطبيعية والفطرية والجوهرية الخطأ والنسيان والجهل والغفلة، وسمي الإنسان إنسانا؛ لأنه سريع النسيان.
  • الخطأ حق من حقوق المتعلم. ويعني هذا أن الخطأ ليس جريرة أو عيبا أو فعلا مشينا، بل هو حق من حقوق الطفل والمتعلم بصفة خاصة، ومن حقوق الإنسان بصفة عامة.
  • الخطأ أداة التقويم. بمعنى أن التقويم ينصب على تصحيح الأخطاء، وقياس قدرات المتعلمين الكفائية، واختبار إنجازاتهم وأداءاتهم العملية داخل الفصل الدراسي.
  • الخطأ تشخيص وتصحيح. بعد عملية تشخيص الأخطاء ووصفها، تأتي عملية تصحيح الأخطاء في ضوء شبكات التحقق والتصحيح والتقويم الذاتي.
  • الخطأ بناء للتعلمات. ويعني هذا أن المدرس يبني تعلماته ويصححها انطلاقا من الأخطاء المرتكبة من قبل المتعلم.
  • الخطأ تدبير محكم.أي: إن الأخطاء هي التي تدفع المدرس إلى اختيار آليات جديدة على مستوى التخطيط، والتدبير، والتقويم.
  • الخطأ أساس الدعم. ويعني هذا أن المدرس لا يلتجئ إلى الدعم والتقوية والتثبيت إلا بوجود الخطأ الشائع والمتكرر والملحاح.

  • الخطأ متنوع المصادر. أي: إن الأخطاء ذات مصادر متنوعة، إما عضوية، وإما سيكولوجية، وإما اجتماعية، وإما بيداغوجية، وإما ديداكتيكية، وإما لسانية، وإما إبستمولوجية...

.


reaction:

تعليقات